محمد أبو زهرة

255

المعجزة الكبرى القرآن

يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 54 ) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 ) . [ طه : 49 - 55 ] ونرى من هذه القضية العامة الكاملة التي تذكر بجوار اللّه سبحانه وتعالى وهي التي بها يعرف اللّه سبحانه وتعالى الذي خلق كل شئ فأحسن خلقه وهو الهادي ، فقال سبحانه كلمة جامعة كاشفة لمعنى الربوبية ، ومع الربوبية العبادة ، وكمال الألوهية ، فقال اللّه تعالى على لسان موسى : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى فهو سبحانه وتعالى مانح كل شئ في هذا الكون الوجود ، وهو مانح الهداية لمن اهتدى . ثم أخذ القرآن الكريم بعد هذا التعميم الجامع يبين جزئيات داخلة في هذا ، وذكر من بعد هذه الجزئيات ما ينبه فرعون وأهل مصر وهم أهل زرع وضرع وختم النص الكريم بما يناسبهم ، وهو نعمة للجميع : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى . 4 - العلة والمعلول : 146 - أساس الاستدلال الربط بين القضايا التي تصور أجزاء الحقائق في هذا الوجود ، بأن يكون وجود بعض الأشياء علة لوجود شئ آخر ، وبمقدار قوة الارتباط تكون قوة الاستدلال ، وذلك بأن يكون أحدهما علة للآخر ، وإذا وجدت العلة كان المعلول ثمرة لوجودها ، وهما متلازمان من الناحية العقلية ، أو على حسب مجرى الأمور ، وإذا ذكر المعلول ، كان كاشفا لعلته لأن ذكر النتائج مع إحدى المقدمتين للدليل يدل على المقدمة الثانية ، ولأن المقدمات تطوى فيها ، فإذا ذكر تحريم الخمر ، وحاول العقل أن يتعرف سبب التحريم يستطيع تكشفه من أوصاف الخمر ، فإذا عرف الوصف المناسب للتحريم استيقن أنه السبب ، وهو يكون وصفا لا يشاركها فيه غيره من المباحات . وفي القرآن كثير ، يكون فيه التعليل جزءا من الدليل الذي يسوقه القرآن الكريم بتنزيل من العزيز الحكيم ، ولنتل آية إباحة القتال ، فإن فيها السبب الذي يبرره ، والدليل الذي يوجبه ، أتل قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) [ البقرة : 190 - 193 ] .